الدليمي: سألت الرئيس: كيف جري القبض عليه ورويت له ما قيل.
صدام: أنا أعرف أنهم أساتذة في الدبلجة، وقطعا توقعت أن يقدموني في صورة الإنسان المهان ليقولوا للعراقيين هذا هو رئيسكم.. هذه طريقتهم طريقة أفلام الكاوبوي السخيفة،. إنهم خبراء في ذلك. والحقيقة أنني كنت في دار أحد الأصدقاء الذين أثق فيهم في قضاء الدور محافظة صلاح الدين، وكان الوقت قبل غروب الشمس وكنت اقرأ القرآن وعندما قمت لأداء صلاة المغرب، فجأة وجدت الأمريكان حولي ولم تكن معي أية قوة للحماية في هذا الوقت، وكان سلاحي بعيدا فتم أسري ثم اختطافي وتعرضت لأبشع أنواع التعذيب في اليومين الأول والثاني، ولو كنت أعلم بوجودهم لقاتلتهم حتي الشهادة.. إنني لا أعرف إذا كانت وشاية من صاحب الدار أم هي ضغوط تعرض لها.
إن ما تحكيه لي هو عملية كاذبة من الأساس، فأنا لم أكن في حفرة ولا أقبل أن أكون في حفرة، بل كنت اؤدي الصلاة ولا أدري ماذا حدث بعد ذلك فقد تعرضت للتعذيب والتخدير وقد أثر هذا التعذيب علي ساقي اليسري، ثم تم علاجي بعد ذلك.
الدليمي: قلت له ماذا عن الصليب الأحمر؟
صدام: قال أنا مستاء منهم جدا.. إنهم لا يقومون بواجبهم المحدد وفقا للمبادئ التي أسس عليها، إن زياراتهم لي لم تتجاوز 4 مرات ولم تكن ذات فائدة، والحقيقة أنا لا أرغب بلقائهم مستقبلا إذا ما بقوا علي هذه الحال.
لقد سلمني الصليب الأحمر رسالتين إحداهما مؤرخة في شهر أغسطس 2004 وسلمت إليٌ قبل زيارتك بعدة أيام، وكانت هذه الرسالة كسابقتها مشطوبا علي غالبيتها، كما لم يتم تسليمي كافة الأغراض الشخصية المرسلة من العائلة، وإذا جاءوا إليٌ بنفس الطريقة مرة أخري فسأطردهم ولن أقابلهم.
الدليمي: قلت له هل تلتقي ببقية المعتقلين من القيادات العراقية الكبري؟
صدام: قال لا.. لم التق بأي منهم، وقد أبلغني أحد الأمريكيين أن ابن عمي علي حسن المجيد قال عني إنني لم أكن شجاعا وقد تجاهلته بالكامل واعتبرت هذا الكلام من نوع الفتنة التي يجب الحذر منها. 'ملحوظة أثناء الجلسة كان الرئيس صدام قد توضأ وصلي مرتين'.
الدليمي: قلت للرئيس إنهم سيجرون انتخابات قريبا.
صدام: قال إنهم يبحثون عن مشروعية كاذبة.. ستكون بالقطع انتخابات غير نزيهة، لأنهم يريدون عملاءهم ليبدوا كواجهة تحركها الأيدي الأجنبية، لذلك من الأفضل علي الشعب أن يقاطعها كلية.
الدليمي: قال لي ومن الذي وضعوه في مقعد حاكم العراق الآن، فقلت له علي الورق علاوي.. فنظر ساخرا وقال:
صدام: لا أريد أن ينزل مستواي عند مستوي علاوي أو غيره، ولكن حتما ستعود كل الأمور إلي وضعها الطبيعي في يوم ما، وتصبح فيه الإرادة الوحيدة هي إرادة الشعب العراقي.
الدليمي: قلت له يتردد أنهم سيسقطون تهمتي حلابجة وما سمي بالمقابر الجماعية في جنوب العراق.
صدام: الأمريكان يعرفون من وراء ما حدث في حلابجة، إن لديهم المعلومات والوثائق التي تؤكد أن إيران هي التي ضربت حلبجة ولكنهم الآن يحاولون إلصاق الاتهامات بكل السبل.. إنني اسألهم: لماذا صمتوا طيلة هذه الفترة ومنذ ما رس 1988، لقد كنا مشغولين بالحرب مع إيران في هذه الفترة، فقامت القوات الإيرانية بالهجوم علي حلابجة بعد الهزيمة التي منوا بها في منطقة الفاو بجنوب البلاد، واستعانوا في هذا الوقت ببعض العملاء من الأكراد، لقد ضربوا حلابجة بغاز 'السيانيد' وهذا الغاز لم تمتلكه العراق أبدا في هذا الوقت، والأمريكيون يعرفون كل الحقائق.
أما عن موضوع ما يسمونه بالمقابر الجماعية فليسأل الأمريكيون أنفسهم فهم يعرفون أنهم صانعوها، إنها مثل كذبة أسلحة الدمار الشامل التي راحوا يتنصلون منها الآن.
الدليمي: هل سألك الأمريكان عن المقاومة؟
صدام: نعم سألوني عن المقاومة، وعن عزت الدوري وقلت لهم: لو كان عزت الدوري في جفني لأطبقت عيوني عليه، أما عن المقاومة فقلت لهم عليكم بسجن كل الشعب العراقي إذا استطعتم، فكل عراقي شريف هو في صف المقاومة، والمقاومة أكبر مما يتصورون، وهي تضم كل الأحرار في العراق عروبيين وإسلاميين ووطنيين ومواطنين عاديين، نساء ورجالا، صغارا وكبارا.. قلت لهم عليكم أن تستعدوا بالنعوش كما قلت لكم قبل احتلال بغداد.
عندما قلت لهم إنهم سينتحرون علي أسوار بغداد، كنت أعني ذلك، وهاهم ينتحرون ويقتلون ويهربون من ميدان المعركة.. إنهم لم يصدقوا ما قلت، وهاهم يتكبدون خسائر لم يتصوروها أبدا. إنني أشعر من خلال التحقيقات أنهم في ورطة حقيقية وأزمة كبيرة، لذلك يبحثون عن أي حل يحفظ ماء الوجه.
الدليمي: قلت له: وهل تعرف مكان اعتقالك؟
صدام: لا.. لا أعرف شيئا.
الدليمي: وأنا لم أتمكن أيضا من معرفة المكان.. تري هل تريد أن تبعث برسالة إلي عائلتك؟
صدام: أنا عائلتي ليست 4 نفرات (رغد، حلا، رنا) وساجدة الزوجة، ولكن العراق والأمة كلها هم عائلتي، لقد استشهد عدي وقصي والحفيد مصطفي واحتسبتهم عند الله، إنهم فداء للعراق لقد قاتلوا حتي اللحظة الأخيرة ورفضوا الهروب، لم يكن واردا للحظة واحدة أن نغادر العراق أو نهرب كالجبناء بحثا عن حياة رخيصة لأننا لا نعرف لأنفسنا مكانا خارج تراب العراق العزيز.. كانت هناك عروض عديدة قد قدمت ولكنهم لا يعرفون صدام حسين، ولا يعرفون أن العراقي الشريف لا يقبل إلا بعيشة شريفة وإلا دونها الاستشهاد، أما العملاء فهم وحدهم الذين يهربون ويحتمون بالأجنبي.. إنني أنصحهم بإعادة قراءة تاريخ العراق من نبوخذ نصر لصدام حسين ليعرفوا الإنسان العراقي إن لم يكونوا قد عرفوه بعد، فالمقاومة البطلة ستقول لهم حتما من نحن ومن هم، والقادم أكبر بكثير.
كانت تلك هي آخر الكلمات التي نطق بها الرئيس صدام حسين.. لملمت أوراقي، فقد مضي علي اللقاء نحو أربع ساعات ونصف الساعة.. عانقته مجددا وقبلت يديه.. شعرت بالدفء تجاه قائد، لم يملك من الدنيا سوي حب العراق، الذي يعيش في قلبه وعقله ويسري في دمائه، لم يعثروا له علي أموال في بنوك خارجية، لم يهرب من الميدان، ولم يدفع بأسرته إلي خارج العراق، مع أنه كان يعرف المصير جيدا.
كان صلبا، قويا، صاحب عزيمة لا تلين، كانت مشاعره القومية والوطنية فياضة، عندما بدأت أرجع إلي الخلف، وأنا أودعه، قال لي بصوت عطوف تعوده منه العراقيون دائما: الحمد لله الذي وهبني ابنا ثالثا مع عدي وقصي.. احملك التحية إلي أسرتك وأطفالك، واطلب منك أن تقبل رأس والدتك وتقول لها: لقد أنجبت رجلا شجاعا لأن مهمتك ومهمة اخوانك صعبة وليست سهلة يا ولدي.
انتهت كلمات الرئيس، ورويدا رويدا مضيت بعيدا عنه في طريقي إلي العودة من حيث أتيت، بينما استطاعت بعض الدموع أن تهرب من عيني لتبلل خدي، تذكرني بطعم ونقاء دجلة والفرات. يأيها الرئيس العظيم أنا أحبك وأقدرك ولن أنسي لك ما فعلته لأجل العراق ولأجل الأمة، أنا فخور بك وسأبقي مدافعا عنك، حتي لو كلفني ذلك حياتي التي يتربص بها الأعداء داخل العراق وخارجها
منــقول